السيد كمال الحيدري

223

أصول التفسير والتأويل

ثمّ علّق عليها بقوله : « وربما أمكن إرجاع بعضها إلى بعض ، وكيف كان فهي وجوه خالية عن الدليل ، على أنّ بعضها ظاهر البطلان » . ثمّ بعد أن استعرض النصوص الدالّة على النهى عن تفسير القرآن بالرأي قال : « قوله صلى الله عليه وآله : من فسّر القرآن برأيه ، الرأي هو الاعتقاد عن اجتهاد ، وربما أطلق على القول عن الهوى والاستحسان ، وكيف كان لما ورد قوله برأيه مع الإضافة إلى الضمير ، علم منه أن ليس المراد به النهى عن الاجتهاد المطلق في تفسير القرآن حتّى يكون بالملازمة أمراً بالاتّباع والاقتصار على ما ورد من الروايات في تفسير الآيات عن النبي وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم على ما يراه أهل الحديث . بل الإضافة في قوله : « برأيه » تفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال بأن يستقلّ المفسّر في تفسير القرآن بما عنده من الأسباب في فهم الكلام العربي ، فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس ، فإنّ قطعة من الكلام من أىّ متكلّم إذا ورد علينا لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي ونحكم بذلك : إنّه أراد كذا ، كما نجرى عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما ، كلّ ذلك لكون بياننا مبنيّاً على ما نعلمه من اللغة ونعهده من مصاديق الكلمات حقيقة ومجازاً . والبيان القرآني غير جار هذا المجرى ، بل هو كلام موصول بعضه ببعض في عين أنّه مفصول ، ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعضه كما قاله علي عليه السلام ، فلا يكفى ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقرّرة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها ، دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبّر فيها كما يظهر من قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) .